محمد بن علي الشوكاني

2155

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

جذيمة وقد بين وجه اجتهاده بالبقاء على الأصل ، وكذلك تخطيته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لأسامة بن زيد ( 1 ) في قتل من قال : لا إله إلا الله ، وقد بين وجه اجتهاده بأنه إنما قالهاتقية ، وحديث خالد وأسامة ( 2 ) في الأمهات وغيرها ، فهذه الأدلة قد دلت على مطلق الخطأ ، مصحوبا بالإثابة أو الإثم أو العفو بحسب اختلاف الأفعال ، وعلى الجملة أن تسمية المخطئ بالمصيب من الإصابة التي هي منافية للخطأ ، لا من الصواب الذي لا ينافيه مستلزمه لإبهام الشريعة وبيانها بالاجتهادات ، وهذا لعمرك الغلو الظاهر ، وأي غلو أبلغ من جعل الشريعة محرمة إن حرم المجتهد محلله إن حلل موجبة ، وإن أوجب مسقطه إن أسقط . نعم وأما استدلال القائل بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى : { ففهمنها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } ( 3 ) فهي من الدلالة على التصويب بمراحل ، وأي فائدة

--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ( 4269 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 96 ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول : بعثنا رسول الله إلى الحرقة ، فصحبنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله الله ، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فقال : يا أسامة ، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذا ، فما زال يكررها ، حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " . ( 2 ) تقدم تخريجهما في التعليقتين السابقتين . ( 3 ) [ الأنبياء : 79 ] . قال الشاطبي في الموفقات ( 4 / 1656 - 166 ) بعد ذكر الآية : تقرير لإصابته عليه السلام في ذلك الحكم ، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام ، لكن لما كان المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله الوسع ، قال : { وكلا آتينا حكما وعلما } . قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ( 11 / 309 ) : قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه وعذر داود اجتهاده